محمد عبد الله دراز
367
دستور الأخلاق في القرآن
خاتمة [ بناء الفكرة القرآنية عن المسؤولية ] حين ندنّي مختلف العناصر الّتي استخلصناها أثناء هذا التّحليل ، بعضها من بعض ، يصبح من السّهل كثيرا أن نعيد بناء الفكرة القرآنية عن المسؤولية . لقد تولى القرآن بصفة جوهرية وجهة النّظر الأخلاقية ، وراح يقر في هذا الصّدد الشّروط الّتي تتفق تماما مع المقتضيات المشروعة لأعظم الضّمائر استنارة ، واهتماما بالعدالة . دون أن ينتظر النّضج البطيء ، المتردد ، عبر الأفكار القديمة ، والحديثة لكي ينتهي إلى هذا الوضع الواضح القويم . فالمسؤولية ترتبط ارتباطا وظيفيا بالشخصية ، ولذلك لا يطيقها غير الإنسان البالغ العاقل ، الواعي بتكاليفها ، وبحيث يتمثلها أمام ناظره في لحظة العمل . فإذا ما تحددت صفات الشّخص تعيّن ، بعد ذلك ، أن يكون مسؤولا عن الأفعال الّتي يأتيها بإرادته الحرة . وإذن ، فالإرادة ، والحرية هما من النّاحية العملية مترادفان . وليس لأية قوة في الطّبيعة ، باطنة ، أو ظاهرة ، سلطة كافية لكي تحرك ، أو توقف النّشاط الجواني لإرادتنا . وقد تستطيع الطّبيعة أن تحرمنا بعض الظّروف المادية اللازمة لتنفيذ قراراتنا ، وقد تستطيع أن تخلع عنا بعض الصّفات الدّمثة الرّقيقة ، الّتي تجعل قراراتنا